الشيخ محمد الصادقي الطهراني

352

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

العاطل ، ولا إجابة عن سخرياتهم الهازئة : قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ( 88 ) . « عَلى بَيِّنَةٍ » كسائر بينات الرسل في المغزى والمعنى ، والرسول بنفسه بينة تبين حق رسالته ، ثم « وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ » فلا أخالفكم في قضية الفطرة والعقلية السليمة أو الشرعة الربانية ، ولا أخالفكم بصلاتي إلى ما أنهاكم عنه ، فالفطرة والعقلية السليمة ورسالات اللّه كلها ، وصلاتي أنا ، كلها عساكر من البراهين لصالح ما أنهاكم وآمركم ، « إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ » دون تأمر عليكم لا يعنى « وَما تَوْفِيقِي » في دعوة الحق وتحقيقه « إِلَّا بِاللَّهِ » فما أنا إلا رسول اللّه « عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ » لا على سواه « وَإِلَيْهِ أُنِيبُ » لا إلى سواه . وهنا في « ما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ » لمحة صارحة أن إرادة مخالفة الناهي لما ينهى عنه هي من المنكرات ، فضلا عن أصل المخالفة ولا سيما إذا كانت جاهرة ، وهكذا الأمر في الأمر : « أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ » ( 2 : 44 ) ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ » « 1 » .

--> ( 1 ) . الدر المنثور 3 : 347 - / أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق أن امرأة جاءت إلى ابن مسعود فقالت : انتهى عن المواصلة ؟ قال : نعم ، قالت : فلعله في بعض نساءك ، فقال : ما حفظت إذا وصية العبد الصالح : « وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ »